أحمد بن علي القلقشندي
98
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وأحسن اللَّه في العزاء هدايته ، وحرس من فتن المصائب بصيرته ، وحمل عن قلبه ما أظلَّه من ثقل المصيبة وعظم الرزيّة . ولا أزال على جملة من القلق إلى أن يرد عليّ كتابه - أيده اللَّه - بما أكون فيه بأدبه مقتديا ، وبهدايته إلى سبيل العزاء والصبر مهتديا ، فإن رأى إجرائي من تشريفه بذلك على مشكور العادة ، فعل ، إن شاء اللَّه تعالى . وله في مثله : اشتراك القلوب فيما ألمّ بقلب سيّدي بحسب تساويها في المسرّة بما سرّه ، إذ كان لا يختصّ دون أوليائه بنعمة ، ولا ينفرد دون مؤمّليه بحلول موهبة ، والمصيبة بفلان وإن جلّ موقعها وعظمت الفجيعة [ بها ] - جلل ( 1 ) مع سقوط الأقدار دونه ، وتجاوزها عنه ، ومسامحتها به ، فلا شغل اللَّه قلبه بعدها بمرارة الصبر عمّا توجبه النّعم من حلاوة الشّكر ، ولا جاوره برزيّة في حميم ولا نعمة . وله في مثله : بصيرتك إلى العزاء تهديك ، واغتباطك بثواب اللَّه يسلَّيك ، وعلمك بقلَّة الغناء عن الجزع يثنيك ، وجمعنا بك في الصبر مقتدون ، ولرأيك في الرّضا بما اختاره اللَّه تعالى متّبعون ، فحمل اللَّه عن قلبك ثقل المصيبة ، وحرس يقينك من اعتراض الشبهة ، وأحسن إلى جميل الصبر هدايتك ، وتولَّى من فتن المحن رعايتك ، وجعل ما نقل الماضي إليه ، أنفع لك وله من الأسف عليه . وله في مثله : اتصل بي خبر المصيبة فأضرم الحسرة ، وسكب العبرة ، وقدح اللَّوعة ، وامترى ( 2 ) الدّمعة ، وكانت مشاركتي إيّاك في المصيبة به ، والفجيعة لفقده ، بحسب اختصاصي بمواهب اللَّه عندك ، واغتباطي بمنحه لديك ، فإنّا للَّه وإنّا إليه
--> ( 1 ) جلل : يسير هيّن ، قال امرؤ القيس لما قتل أبوه ( متقارب ) . أتاني حديث فكذّبته وأمر تزعزع منه القلل لقتل بني أسد ربّها ألا كلّ شيء سواه جلل ( 2 ) امترى الشيء ومراه : استخرجه . القاموس المحيط ( مري ) .